فنون

وصلة طرب أندلسية مع الشيماء.. بنت السيدة زينب تروي حكايتها مع الموشحات في بلاد الأسبان

طفلة صغيرة كانت تعشق الغناء، وأسرتها شجعتها مثل بقية أخواتها الأكبر منها، فكانت تدرس بالأوبرا ضمن الكورال وبالمركز التعليمي على يد د. صبحي بدير، ثم بدأت دراستها بالكونسيرفتوار قسم غناء على يد أساتذة كبار مثل إيمان مصطفى...

وصلة طرب أندلسية مع الشيماء.. بنت السيدة زينب تروي حكايتها مع الموشحات في بلاد الأسبان

طفلة صغيرة كانت تعشق الغناء، وأسرتها شجعتها مثل بقية أخواتها الأكبر منها، فكانت تدرس بالأوبرا ضمن الكورال وبالمركز التعليمي على يد د. صبحي بدير، ثم بدأت دراستها بالكونسيرفتوار قسم غناء على يد أساتذة كبار مثل إيمان مصطفى ورضا الوكيل وعواطف الشرقاوي، وحصلت على بكالوريوس المعهد العالي للموسيقى بتقدير امتياز عام 1998. وهنا بدأ مجتمع الأوبرا الغنائي يعرف جيدًا اسم الشيماء سيف الدين، بعدما قدمت حفلات كثيرة تنوعت بين أوبرا المؤلفين العالميين أمثال موزارت ودونيزتي وروسيني وفيردي، وأغاني الليدر والميلودي الفرنسي والإسباني والروسي، كذلك العديد من الأدوار والموشحات والأغاني التراثية العربية القديمة.

ويمكن تلخيص القصة بعد ذلك في حفلات بمصاحبة الأوركسترا السيمفوني وعدد كبير من الفرق، ومشاركات بمهرجان القلعة وغيرها، ثم رحلة عمل ناجحة للإمارات استمرت 5 سنوات حققت فيها إنجازات كثيرة، ثم العودة للقاهرة لفترة، ومنها إلى إسبانيا حيث تعيش هناك منذ عدة سنوات لتصنع حالة تمزج بين الفن والتاريخ. ما سبق هو مجرد عناوين عريضة، لكن بينها محطات تشرح تفاصيل الرحلة.

تقول الشيماء سيف الدين: أنا من مواليد السيدة زينب، والدي كان يحب فيلم "الشيماء" لسميرة أحمد، فأطلق عليّ هذا الاسم. أخواتي البنات تخرجن في معهد الموسيقى العربية، ومنهن أستاذة بالمعهد حاليًا، وبسببهن عشقت الغناء منذ صغري والتحقت بمعهد الكونسرفتوار حتى تخرجت، وفخورة بأنني خريجة أكاديمية الفنون قسم غناء أوبرالي. وبالمناسبة، اخترت الغناء الأوبرالي لكي أخالف شقيقاتي اللاتي تخصصن في الغناء الشرقي، وأيضًا لأنني قديمًا حضرت "أوبرا عايدة" للدكتورة رتيبة الحفني - رحمها الله - وكانت تعجبني جدًا، وكذلك تأثرت بالدكتورة عواطف الشرقاوي السوبر سوبرانو الشهيرة. وشاء القدر أنه بعد دخولي للمعهد كانت هي أستاذتي التي علمتني الغناء.

وتضيف الشيماء قائلة: حصلت على دبلوم الغناء بتقدير امتياز، وبدأت في العمل بحفلات الأوبرا، فقد رأيتها نافذة للفنان الشامل. كنت أغني وأمثل وأرقص بجانب عشق المسرح، ولكن شاءت الأقدار، لأسباب خاصة، أنني لم أستطع أن أكمل، خاصة بعدما سافرت للعمل في مدرسة موسيقية بالإمارات. والحمد لله أثبت نفسي، وكنت أعمل مسرحيات بكل ديكوراتها وإخراجها وتصميم الملابس وكلمات الأغاني والألحان، وساهمت قدر الإمكان في عمل حالة فنية جيدة من خلال طلابي بإمارة الفجيرة، كما شاركت بهم في مسابقات كثيرة وصادفت أصواتًا جميلة جدًا. وأذكر طالبًا من السودان كان رائعًا، وربما تراه نجمًا في يوم ما.

لكن وسط كل ذلك كانت الموشحات الأندلسية هي الحلم المؤجل بالنسبة لي؛ كانت تستهويني منذ صغري وحفظت الكثير منها مثل "كلمي يا سحب" و"لما بدا يتثنى"، ودخلت فرقة سليم سحاب وعشقت هذا المجال لأن الطابع الخاص به مختلف. وفي المعهد درست الموشحات مع المايسترو عطية شرارة - رحمه الله - وكانت تجربة جميلة.

وعن بدء رحلتها إلى إسبانيا تقول: بعدما رجعت من الإمارات إلى مصر، بدأت في تدريب أصوات غربية "فوكاليز"، وكذلك نظمت عدة ورش في بيت السناري لتعليم وتدريس الموشحات والمقامات العربية، وخرج منها كثيرون، منهم خليل جمال الذي فاز بجائزة مذيع العرب. ثم أسست فرقة "ليلة" لإحياء التراث، وكنا نقدم موشحات خاصة بنا من ألحاني. ووسط كل ذلك تزوجت، ولظروف عمل زوجي كمهندس اتصالات في إسبانيا سافرت معه. وهناك جذبتني أكثر "نداهة" الموشحات، وخاصة مزج الغناء بالتاريخ الإسلامي في طليطلة وبلد الوليد وإشبيلية ومدريد.

وسألت نفسي: لماذا لا أغني موشحات، وأيضًا أعرّف الإسبان أنفسهم بتاريخها، ثم أذيع كل ذلك عبر الإنترنت؟ أي متعة كاملة بصرية وسمعية ومعلوماتية. فذهبت لأماكن سياحية وكنت أغني هناك موشحات، بينما كان أولادي "كورال"، وزوجي يصفق ويشجعنا، والناس كانوا يجتمعون حولنا للغناء أو للفرجة. وبذلك لم أشعر نهائيًا بأي غربة هناك.

وعن صفحة "الشيماء في إسبانيا"، التي يتابعها مئات الآلاف عبر فيسبوك، تقول: عندما سافرت اختلفت الحياة؛ لغة ثانية وشعب مختلف. كنت من خلال الأوبرا أحتك بأجانب، وكذلك في الإمارات، لكن الإسبان فعلًا شعب محب للحياة والفرحة والبهجة، وقد أحببتهم جدًا بسبب ثقافتهم المميزة وقرب عاداتهم من المصريين، لدرجة اعتقادي بأن أول إنسان عاش في إسبانيا ربما كانت له أصول مصرية! يحبون الناس وكرماء جدًا، بل في الأسواق ينادون على بضاعتهم مثلنا تمامًا. في عز أزماتهم يبتسمون ويغنون.

فهنا قلت لنفسي: لماذا لا أنقل هذه الثقافة للمصريين؟ أي أصبح عينًا لمن لا يستطيع السفر ليروا الدنيا من خلالي. وهنا بدأت بالفيديوهات السياحية والثقافية والعادات والتقاليد، ولم أترك مكانًا في إسبانيا إلا ذهبت وصورت فيه. وأيضًا غنيت فيه للناس الموشحات الأندلسية الجميلة، وفي كل مكان أذهب له لا أحكي فقط عن إسبانيا، ولكنني أتحدث مع الإسبان عن مصر وعراقتها وتاريخها وعادات أهلها، فكأنني أيضًا عين لهم على بلدي.

وعندما وقع وباء كورونا ظل الجميع في البيت، فبدأت أغني "لايف" مع الناس، كما كنت أغني حتى وأنا أطبخ لأولادي. وبسبب طلبات كثيرة من الناس بدأت أعمل فيديوهات مخصوصة عن الأكل. وبالمناسبة، أنا لم أتعلم الطبخ من أحد، لكن أحب عمل أطباق شكلها جميل وطعمها متميز، وبالتالي قررت تقديم فيديوهات عن الأكل الإسباني، وبمرور الوقت بدأت أحكي القصة التاريخية وراء كل أكلة، وكثير منها بالمناسبة أصلها عربي أندلسي.

وعن أغرب ما شاهدته في إسبانيا تقول: تعلمت هناك أن التسامح والطيبة ليسا فقط عند العرب؛ فالطبيعة الإنسانية واحدة في معظم الشعوب. وتعرضت لمواقف كثيرة، منها مرة تعبت في الشارع وكل الناس وقفوا معي رغم أنني كنت لا أتكلم الإسبانية وقتها. الناس ودودة وتحب الخير، لكن أغرب ما شاهدته فعلًا الهجرة الموسمية للمواشي والرعاة والبقر الذين يعيشون في الشمال وينزلون إلى الجنوب سيرًا على الأقدام حتى مدريد، وهناك يدفعون ضريبة ثم يكملون المسيرة للبقاء في الدفء طوال الشتاء، ثم يعيدون الرحلة للرجوع في الربيع.

وهذه الهجرة تتم منذ مئات السنين، وهم يعتبرونها جزءًا من ثقافتهم، ويقومون بها بطريقة منظمة وجميلة ونظيفة وسط مهرجانات للأغاني الشعبية والملابس الملونة. صحيح أن الأمر تطور وأصبحت الهجرة تتم بالقطار، لكنهم تمسكوا بالاحتفالات ليرسخوا تاريخهم في أطفالهم.

وأذكر عندما ذهبت للغناء في قصر الحمراء، شعرت بانبهار غير عادي، وخاصة وأنا أتأمل عبارة "ولا غالب إلا الله" الموجودة على جدران القصر كله. يومها غنيت، ومئات الإسبان كانوا يصفقون رغم أنهم لا يفهمون ما أقوله. وقتها تمنيت لو عاد بي الزمن لأعيش في عصر الأندلس المزدهر، وأقابل زرياب الذي طور آلة العود وأقام أول معهد موسيقي في التاريخ لتعليم العازفين... فعلًا كنا عظماء جدًا.