فنون

قائد الأوركسترا العالمي مينا سلامة: معزوفة الناي في المتحف البريطاني من تأليفي

لو زرت المتحف البريطاني يومًا ما، ستجد فاترينة في ساحة العرض تحتوي على آلة ناي قديمة، وعلي سطح الفاترينة صورة لعازف موسيقي، مع كود يمكنك مسحه بهاتفك المحمول لتستمع إلى أجمل نغمات هذه الآلة الرائعة.هذا الموسيقي هو المصري...

قائد الأوركسترا العالمي مينا سلامة: معزوفة الناي في المتحف البريطاني من تأليفي

لو زرت المتحف البريطاني يومًا ما، ستجد فاترينة في ساحة العرض تحتوي على آلة ناي قديمة، وعلي سطح الفاترينة صورة لعازف موسيقي، مع كود يمكنك مسحه بهاتفك المحمول لتستمع إلى أجمل نغمات هذه الآلة الرائعة.هذا الموسيقي هو المصري مينا سلامة، الذي نجح خلال نحو 11 عامًا من الدراسة والعمل في بريطانيا أن يصبح خير سفير للموسيقى الشرقية. وهذا أمر بديهي إذا علمنا أنه يجيد العزف على عدد كبير من الآلات، إلى جانب تأليفه الموسيقي، والتوزيع، وهندسة الصوت، والعمل في الموسيقى التصويرية لأعمال درامية وسينمائية. تفاصيل أكثر سنتعرف عليها منه في الحوار التالي.

ولدت بالإسكندرية عام 1979، حدثنا عن أسرتك وظروف نشأتك وتعليمك، وكيف بدأ معك حب الموسيقي؟

نشأت في أسرة بسيطة جداً وتعلمت طوال مشواري بمدارس حكومية، ومنذ صغري كانت لي هوايات فنية وخاصة الموسيقي، لكن بصراحة بسبب الظروف لم تتح لي تعلمها، في المدرسة الثانوية مثلاً طلبت تعلم العزف على آلة موسيقية وكان الرد أنه لا يوجد مدرس للموسيقي ، فاعتمدت على نفسي في التعلم وهو ما استمر معي حتى الآن ، فكل الآلات الموسيقية التي تعلمتها كانت باجتهاد شخصي وبدون مدرس كما كنت أقرأ كثيراً عن تاريخ الموسيقي والآلات وتكوينها ومشاهير الملحنين.. فالموسيقي أيضاً ثقافة بجانب كونها تدريبات عضلية وذهنية، وأذكر أنني كنت أذهب لصديق لي وأنا صغير لأن عنده أورج أحببت العزف عليه، وبمرور الوقت وجدتني أؤلف جملاً موسيقية خاصة بي وهو ما نبهني لهذه الموهبة بداخلي.

حصلت على درجة البكالوريوس في التربية الموسيقية بتقدير جيد جداً .. وأصبحت معيداً ، ما الذي شجعك علي السفر للحصول على الماجستير من جامعة هيدرسفيلد ؟

لم تتح لي فرصة تعليم الموسيقي كما قولت بالمدارس ، وبسبب ظروف أسرتي لم استطع التعلم في معاهد خاصة ، ولذلك كان اختياري الوحيد بعد الثانوية العامة هو كلية التربية النوعية شعبة التربية الموسيقية بالإسكندرية ، وبدأت طموحاتي الأكاديمية بعد تفوقي وكنت من أوائل الخريجين وتسلمت خطاب تهنئة من وزير التعليم العالي ، ثم عملت معيداً بالكلية في عام 2000 ثم عملت بالأوبرا وركزت جداً هناك، وكنت أريد استكمال دراساتي في مصر لكن الماجستير لم يكن في جامعة الإسكندرية وكان لابد إنهاءه بكلية التربية الموسيقية بجامعة حلوان الموجودة في الزمالك ، وكانت هناك مواد في منتصف التيرم مهمة لابد من الامتحان فيها .. ولكن موعد أحدها تزامن مع الكشف الطبي للالتحاق بالخدمة العسكرية، وبالتالي تأخرت هذه الخطوة لسنوات حتى جاءت لي فرصة للدراسة في انجلترا ثم حصلت على الماجستير وحالياً الدكتوراه .

أعرف أنك عازف متعدد الآلات مثل البيانو، العود، الناي، الكوالا، الدودوك الأرمني، الكمان الشرقي، القانون وغيرها الكثير.. كيف تعلمت العزف على هذه الآلات؟

الحكاية بدأت معي بحب الاكتشاف. الموسيقي لانهائية وبالتالي لا حدود فيها للتعلم والابتكار والاكتشاف ، وبخلاف العزف هناك التوزيع والتأليف والتسجيل ، ولذلك حاولت التطرق لكل هذه المجالات ، والعزف بالنسبة لي نوع من تطبيق كل أفكاري ، فأنا أحب كلما قمت بتأليف أو توزيع مقطوعة ما أن أسجلها بنفسي بالآلات المختلفة ، في الجامعة مثلاً كنا ندرس آلة موسيقية كل سنة بجانب البيانو وهو آلة ثابتة ، مثلاً في السنة الأولي تعلمنا الإكسيلفون وفلوت ، وفي السنة الثانية تعلمت الماندولين ثم أوكرديون في السنة الثالثة ، وفي سنة رابعة تعلمت الجيتار ، وكانت آلة التخصص بالنسبة لي هي الناي ، لكنني كنت أمتحن كذلك في العود الذي تعلمته من أيام الثانوية العامة ، وبعد التخرج كان لدي شغف لتعلم الكمان ثم تعلمت الساز وهو آلة تشبه البزق التركي ، كما أعزف على آلة اسمها النايلوت وهي مزيج من الناي والفلوت وهو من ابتكار العازف العراقي المقيم بألمانيا يوسف غازي ، وكل هذه الآلات وغيرها استخدمها في التسجيلات الموسيقية وأحيانا في حفلات أعزف خلالها أكثر من آلة ، وهناك آلبوم موسيقي سجلته قمت فيه بالعزف علي 11 آلة موسيقية .. وهو يتضمن مقطوعات غنائية صوفية لكن بتوزيع موسيقي إلكتروني بآلات شرقية ، والموسيقي كلها تأليفي الخاص.

نعود لمشوارك في الأوبرا ، بدأت كعازف ناي وبيانو وأورج رئيسي من عام 2004 إلى عام 2012، وأيضا كمساعد مايسترو وموزع موسيقي.. أحكي لنا عن ذكرياتك طوال هذه السنوات ؟

أتذكر عندما دخلت الامتحان الخاص بالالتحاق بأوبرا الإسكندرية.. كانت لجنة الاختبار تضم أسماء كبيرة مثل د. رتيبة الحفني ود. سامي نصير ود. جهاد داوود ود. رضا رجب وكان صعباً الاختبار نفسه صعباً ، قراءة نوتة وأسئلة عن عزف مقطوعات معينة بالناي بطريقة عينة وبمختلف المقامات، كما عزفت تيتر برنامج " العلم والايمان " تأليف العازف الشهير محمود عفت، والحمد لله نجحت وبدأت كعازف سوليست للناي ، وفي آخر عامين كنت مساعد مايسترو ومدرب للكورال ومسئول مدونات ، كانت فترة رائعة وثرية موسيقياً .. مثلا كنت أوزع بعض الألحان واكتبها نوتة أو أقود الكورال في البروفات في غياب المايسترو، وتعرفت علي مدارس التلحين الكبيرة في مصر مثل محمد عبد الوهاب وبليغ حمدي ومحمد الموجي وغيرهم ، فعندما تقرأ تفاصيل هذه الألحان من النوتة في بروفات مطولة لمدة 9 ساعات مثلا تستطيع تحليلها بدقة.. وتخيل 12 بروفة في الشهر و3 حفلات بالإسكندرية بجانب حفلات أخرى علي المسرح الكبير أو مسرح الجمهورية بالقاهرة بجانب أوبرا دمنهور أحياناً ، بروجرام طويل وأنا كنت عازف الناي الوحيد وأيضا عزفت بيانو كثيراً وآلات أخرى ، وكثير من هذه الحفلات كان يصورها التلفزيون خاصة في مهرجان الموسيقي العربية ، فعلاً كان مجهوداً بدنياً وذهنياً كبيراً ولكنه منحني ثقلاً وخبرة فنية كبيرة جداً .

قمت بأداء العديد من الألبومات والمهرجانات الموسيقية في بريطانيا مثل مهرجان إدنبره 2014 ومشروع التسجيل الفردي لـHaymanot Tesfaمع عازف الإيقاع آريان.. ما الذي أضفته عبر الموسيقي الشرقية لهذه المشروعات الفنية؟

دائمًا، تشمل فقراتي في هذه المهرجانات دمج الموسيقى الشرقية مع فنون غربية مثل الجاز أو الموسيقى الإفريقية، وأحيانًا أعمل في ألبومات تضم خليطًا من موسيقى مختلفة مثل الهندية أو الإيرانية أو الأمريكية. وهنا أشارك بالآلات الشرقية وأدمجها مع هذه الموسيقى، والتي يمكن وصفها بـ "العالمية"، والحمد لله، بعد احتفالات ومهرجانات كثيرة، أشعر بالنجاح اللحظي بمجرد نهايتها من رد فعل الجمهور وفضوله لمعرفة تفاصيل هذه الآلات وتكوينها وأصواتها المختلفة.

طوال هذه السنوات، هل تقيم بصفة مستمرة في بريطانيا أم مصر؟ وكيف توازن بين أسفارك الكثيرة وانشغالك بمشروعات عديدة، منها تأليف وتوزيع العديد من المقطوعات الموسيقية والأغاني للمشروعات الموسيقية القبطية؟

معظم الوقت أعيش في بريطانيا، لكنني أحضر إلى مصر كثيرًا، خاصة مؤخرًا بسبب البحث الذي أقوم به عن الموسيقى المصرية القديمة. وقد تواصلت مع وزير السياحة والآثار السابق، د. خالد عناني، لأتمكن من فتح وتصوير "فاترينة" موجودة في المتحف المصري تضم آلات مصرية قديمة، والحمد لله استطعت ذلك. حاليًا لدي أستوديو خاص بي في إنجلترا. ومن قبل سفري من مصر، كان لي نشاط كبير في الموسيقى القبطية، ما بين موسيقى تصويرية لأفلام ومسرحيات دينية أو توزيعات لترانيم روحية، وكان لي عمل كثير بالقنوات الفضائية استمر حتى بعد سفري في محطات بأمريكا وأوروبا. ومن الناحية الموسيقية، هذا هو عملي. وأيضًا، كان بحث الماجستير الخاص بي عن الموسيقى القبطية وعلاقتها بالموسيقى المصرية القديمة.

بالطبع، من أهم محطاتك الفنية في عام 2017 عندما ساهمت في تسجيل الموسيقى لفيلم ديزني "علاء الدين" بطولة ويل سميث ومينا مسعود ونعومي سكوت، أحكِ لي عن تفاصيل هذه المشاركة؟

بالتأكيد، كانت من الخبرات الجميلة في حياتي. أتذكر، مثلاً، عند تصوير المشهد الخاص بقصر السلطان، كنت قد سجلت بالفعل "الناي" في الموسيقى التصويرية، وطلبوا وجود فرقة موسيقية في هذا المشهد، لكن عازف القانون لم يستطع الحضور، فظهرت أنا أعزف مكانه. ربما ظهر المشهد من بعيد بشكل غير واضح، لكنه استغرق تصويره 3 سنوات، حيث يتم تسجيله ثم تعديل المشهد، فنذهب ونرتدي نفس الملابس ونجري الماكياج، ثم يتم إيقاف التصوير لشهور ويعاد التعديل، وهكذا. لذلك استغرق تسجيله وقتًا طويلًا، لكن تجربة القرب من تصوير وكواليس هذا الفيلم كانت رائعة جدًا.

كان من المفترض أن تشارك في المسلسل الشهير The Crown، لماذا لم تكتمل التجربة؟

القصة بدأت عندما علمت بأن هناك مسلسلاً يتم تصويره عن العائلة المالكة في بريطانيا. وبالفعل، عرض منه عدة أجزاء في مواسم متتالية، ثم قررت أن أبدأ مشاهدته. الغريب أنه مع أول حلقة تلقيت عرضًا بالمشاركة في الموسم الجديد للمسلسل بعزف الناي، وكانت مفارقة طريفة، والمسلسل كان يُصور في إسبانيا. وتصادف ذلك مع البريكست وانفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي، فحدثت مشاكل خاصة بتأشيرات السفر لكل فريق العمل، وللأسف لم أتمكن من المشاركة.

كيف تم اختيارك لتسجيل الناي بالمتحف البريطاني؟

الحمد لله، منذ وجودي ببريطانيا قبل 11 عامًا تقريبًا، أصبح اسمي معروفًا في مجال الموسيقى الشرقية مثل العود والناي والقانون وغيرها. ولذلك، تلقيت دعوة لتسجيل معزوفة بآلة الناي لتشغيلها في الصفحة الرئيسية للمتحف وعلىSoundCloud.وبعد فترة، أرسل لي أحد أصدقائي صورة فيها اسمي وبجانبه كود في مكان عرض داخل المتحف مخصص لآلة ناي قديمة، مكتوب ما معناه: إذا أردت سماع هذه الآلة، يمكنك مسح هذا الكود وسماع التراك الذي سجلته لهم. سعدت جدًا بهذه اللفتة، وهذا فخر لي كمصري موجود في بريطانيا يقدم فن بلده الشرقي.

أخيرًا، هل تعتقد أن تراجع حصة الموسيقى في ترتيب اليوم الدراسي بالمدارس المصرية ربما كان سببًا في انحدار الذوق الفني للأجيال الصغيرة؟

مؤكد، بل هو سبب جوهري في انحدار الذوق الفني للأجيال الصغيرة. الموسيقى والمواهب عمومًا مثل الرسم والرياضة والتمثيل وغير ذلك هي طاقة إبداعية أو بدنية كامنة داخل الطفل، وتوجيهها واستغلالها مهم جدًا ويفرق في شخصياتهم. لكن كبتها أو إهمالها يؤدي إلى ما نشاهده حاليًا. مصر، خاصة لو اهتمت باكتشاف المواهب منذ الصغر، سنندهش من حجم المواهب لدينا. تمامًا كما خرجت أجيال كانت لها الريادة على مدى سنوات طويلة. في زمن "الفن الجميل"، كان هناك نظام في التعليم يهتم بالموسيقى والرسم والأدب والأنشطة المختلفة. لدينا جينات مختلفة تحمل بداخلها الموهبة بالفعل، فقط تنتظر الاهتمام والفرصة.