فنون

أوركسترا أحمد الجمال.. مصري يكمل سيمفونية بيتهوفن العاشرة بالذكاء الاصطناعي

في عام 1827 توفي الموسيقي الألماني الشهير لودفيج فان بيتهوفن، أي بعد 3 سنوات من إكماله للسيمفونية التاسعة والتي يعتبرها كثيرون أفضل عمل موسيقي في تاريخ البشرية ، وكان بدأ بالعمل في السيمفونية العاشرة لكن تدهور حالته الصح...

أوركسترا أحمد الجمال.. مصري يكمل سيمفونية بيتهوفن العاشرة بالذكاء الاصطناعي

في عام 1827 توفي الموسيقي الألماني الشهير لودفيج فان بيتهوفن، أي بعد 3 سنوات من إكماله للسيمفونية التاسعة والتي يعتبرها كثيرون أفضل عمل موسيقي في تاريخ البشرية ، وكان بدأ بالعمل في السيمفونية العاشرة لكن تدهور حالته الصحية لم يسمح له بإكمال هذا المشروع الذي ظل في مرحلة المسودة ، وطوال نحو 200 عام كان يتخيل عشاق الموسيقي ما يمكن أن تكون عليه هذه السيمفونية ، ولكن أخيراً الحلم تحقق عبر العالم المصري د. أحمد الجمال والذي نجح عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي في الانتهاء من السيمفونية العاشرة وتقديمها في حفل عالمي وسط ذهول الملايين حول العالم ، والجمال هو أستاذ علوم الحاسب ورئيس معمل الفنون والذكاء الاصطناعي بجامعة روتجرز الأمريكية، وقد كان مثار جدل ومناقشات طويلة في الأوساط الأكاديمية العالمية خلال الفترة الماضية .. فحسب أبحاثه وبرامجه الحاسوبية أصبح هناك منافس قوي جداً للبشر في كل مجالات الإبداع.

د. أحمد الجمالمن مواليد الإسكندرية، ويعتبر نشأته بهذه المدينة الجميلة ذات تأثير كبير في شخصيته خاصة اهتمامه بالفنون بأنواعها، وكان متفوقاً طوال سنوات دراسته وحتى التحق بكلية الهندسة لدراسة علوم الحاسب، يقول " منذ صغري كانت فكرة أن آلة تقوم بالحساب وبعمليات تتسم بالذكاء ملهمة لي، ومع ظهور الحاسب الشخصي في أواخر الثمانينات ازداد انجذابي لهذا المجال، وبدأت في الاهتمام والتخصص في الذكاء الاصطناعي منذ مشروع تخرجي وفي رسالة الماجستير.

وبعد حصوله علي الماجستير ، سافر إلى أمريكا حيث بدأ دراسة الدكتوراه في جامعة ميريلاند في مجال الرؤية باستعمال الحاسب، وهو أحد فروع الذكاء الاصطناعي، وبعد حصوله علي الدكتوراه التحق بالعمل كأستاذ مساعد في جامعة روتجرز منذ نحو 20 عاماً ، وهذه الجامعة تتبع ولاية نيوجرسي وهي أقدم الجامعات في أمريكا وتأسست عام ١٧٦٠، وبعدها بدأ مشواره مع المختبر الأكاديمى الذي يشرف عليه ، فهو الأول من نوعه فى العالم والذي يدفع بإمكانات الذكاء الصناعى فى مجالات الإبداع، يقول " بسبب حبي للفنون بسبب ولكون الذكاء الاصطناعي هو مجال تخصصي ، كنت شغوفاً بالعمل في تقاطع هذين المجالين ، لذلك أنا متخصصاً في الذكاء الاصطناعي في مجال الإبداع الفني، وذلك لإيماني بأن الإبداع هو السمة المميزة للذكاء الإنساني، وبالتالي لن نصل إلى ذكاء اصطناعي حقيقي إلا إذا استطعنا ان نستوعب العملية الإبداعية ".

نأتي للسيمفونية العاشرة لبيتهوفن والتي استغرق العمل عليها نحو 3 سنوات ، والسؤال : هل يمكن بالفعل نسبها له كما اشتهرت إعلامياً ، أم أنها واقعياً ضمن إنتاج خالص للذكاء الاصطناعي ؟ يجيب د.أحمد الجمال " السيمفونية العاشرة لبيتهوفن مثال رائع على ما يمكن الإنسان تحقيقه باستعمال الذكاء الاصطناعي كمساعد في العملية الإبداعية، بيتهوفن ترك بضع إسكتشات لأفكار موسيقية لاستعمالها في عمل سيمفونية عاشرة لم يتسع عمره لإكمالها، وكان من الصعب تخيل كيف كان بيتهوفن سيكمل هذه الأفكار إلى عمل سيمفوني كامل، والذكاء الاصطناعي كان أساسيا في استيعاب العملية الإبداعية لبيتهوفن عن طريق التعلم من كل أعماله ،أي تعلم كيف حول بيتهوفن الأفكار الموسيقية لجمل وحركات سيمفونية مكتملة في أعماله المختلفة، ومن خلال ذلك استطاع أن يمد المؤلفين الموسيقيين في المشروع بمسارات متعددة لما يمكن أن تكمل به أفكار بيتهوفن حتى تصبح عملاً متكاملاً" .

لكن الشخص العادي غير المتخصص قد يتساءل: ما هي الأهمية العلمية لقضاء عدة أعوام في أبحاث وتجارب لإنتاج سيمفونية موسيقية في النهاية ؟ د. أحمد الجمال يرد ببساطة : أهمية ذلك تتمثل في دفع إمكانيات الذكاء الاصطناعي في مجالات إبداعية مختلفة، فنحن نتكلم عن مشاريع تساهم بتقريب مجال الذكاء الاصطناعي للجمهور غير المتخصص ، فما قمنا به هو " محاولة لفهم نوايا بيتهوفن " ، واستكمال هذه النوايا هذا قد يؤدي بنا في عصر الذكاء الاصطناعي لاستكمال نوايا النوابغ من البشر في كل المجالات ، مثلاً لنفرض أن روائياً بدأ كتابة فيلم وتوفي قبل استكماله .. أو مطرب كان يؤدي بروفات أغنية ولم يتح له القدر الحياة ليقدمها .. أو حتى التنبؤ بقرارات كان سيتخذها سياسي ما لو استمر في الحكم لفترة أطول ، وأتمنى ان نصل لذلك ونحن بالفعل في سبيل الوصول ، أعني أن تستطيع تلك التقنيات باستيعاب أساليب وأنماط عمل الفنانين وكيفية تطويرهم لأفكارهم الأساسية لأعمال مكتملة ، والسؤال الأهم هو : كيف سنستخدم تلك التقنيات وما يمكن أن يتبع ذلك من تطبيقات مفيدة للفنانين أنفسهم ، وما يمكن ان يتبعه من مشاكل إذا أسيء استعمالها ، والأمر يمكن تشبيهه بما يفعله الموبايل خلال كتابة الرسائل عندما يتوقع مع أول حرف ما هي الكلمة التي ستكتبها ويطرح عليك بدائل .. فذلك يتم عن طريق برامج للذكاء الاصطناعي التي تتعلم من عدد ضخم من الجمل ، وربما تتعلم من أسلوبك الشخصي في الكتابة أو الموضوع الذي تكتب فيه حتى تتوقع كلمات مناسبة ، وفي النهاية القرار للإنسان المستخدم لتلك التكنولوچيا، ففي النهاية الآلة هنا تقوم بدور المساعد.

كررت السؤال للدكتور أحمد الجمال بشكل آخر : هل هذه الأعمال تصبح منسوبة " نظرياً " فقط لهؤلاء المشاهير ، أم إنه وقتها ضمن إبداعات القائمين علي برامج الذكاء الاصطناعي ؟ وهل يتحول الكمبيوتر من مجرد آلة أم أن الذكاء الاصطناعي بشكل ما أصبح " شريكاً في الإبداع " ؟ رد قائلاً : سؤال بالفعل مجال للمناقشة حالياً. فعندما يستخدم أي فنان معاصر مثل تلك البرامج الذكية .. فما دور الفنان ..وما دور الآلة ..وما دور القائمين على تطوير تلك البرامج ؟ كل له دور في العملية ، فهذه البرامج تساهم في توسعة تخيلات الفنان بأفكار جديدة ، وفي النهاية الفنان هو أصل العملية الإبداعية من خلال التحكم في المدخلات والاختيارات ، فنحن أمام أنماط جديدة من العملية الإبداعية المشتركة بين الإنسان والآلة الذكية لدرجة ما ، ولنتكلم بوضوح .. فالبعض شعر بالذهول مما وصل إليه الذكاء الاصطناعي، لكن عدداً من الفنانين لديهم تخوفات من سيطرة " التقليد " وما يمكن وصفه بـ " الفن الآلي " ، صحيح أن الذكاء الاصطناعي ليس بديلأً بل أداة تفتح آفاقًا جديدة للتعبير .. لكن كيف وهو وصل لمستوي بيتنهوفن .. فما بالنا بالأقل موهبة منه بكثير ؟ وبصراحة مخاوف الفنانين مشروعة جداَ، خاصة ونحن نرى الآن بعض تلك البرامج يساء استعمالها ويتم تغذيتها ببيانات تشمل أعمال فنانين معاصرين أو أعمال تحت نطاق حقوق الملكية الفكرية، وتكون النتيجة أن تلك البرامج قد تنتج أعمالاً شبيهة أو مقلدة لتلك الأعمال، لكن في النهاية المبدع الحقيقي يستطيع استعمال تلك البرامج لتوسيع نطاق إبداعه، مع بقاء أسلوبه وشخصيته مميزا فيما ينتج ، أما الإنسان المقلد فسوف يسيء استعمالها لعدم قدرته على الإبداع ، وأعتقد أن هذا هو الحال مع أي تكنولوجيا أخرى سبق استعمالها في العملية الإبداعية، كالتصوير الفوتوغرافي مثلا.

والآن .. يتطلع كثيرون للخطوة القادمة ، فالذكاء الاصطناعي أصبح يتعرف على الجمل الموسيقية وكيفية تحويلها إلى سيمفونية ، وبالتالي يمكنه ابتكار سيمفونيات أصلية ، لكن في هذه الحالة .. ستنسب لمن .. للذكاء الاصطناعي أم بالمبرمجين ؟ وهل سينسب هذا الفن للبشرية كلها أم حسب جنسية مبتكر البرنامج نفسه ؟ الدكتور أحمد الجمال لا يعتقد أن استعمال تلك البرامج في تأليف سيمفونيات جديدة هو الهدف ، فالأهم هو تطويع هذه التكنولوجيا لكي تفيد الفنان المعاصر سواء كان فناناً تشكيلياً أو مؤلفاً موسيقيا أو كاتب رواية .. وفي النهاية الفن والإبداع سينسب للإنسان مهما تطورت الوسائل المساعدة له وأصبحت ذكية ومبدعة.

وانتقلنا للحديث عن قيام د. أحمد الجمال بقيادة فريق بحثي من جامعة روتجرز لوضع برنامج كمبيوتر يمكنه التعرف على اللوحات الفنية المزورة بنسبة نجاح تصل إلى 100% ، وسألته : هل يرتبط هذا البرنامج الكاشف للتزوير ببرامج أخرى لديها القدرة علي الإبداع الأصلي سواء لوحات أو قصائد شعر أو روايات ؟ خاصة وأن الفريق نجح في برمجة خوارزميات بإمكانها تأليف أبيات من الشعر وفق الحالة المزاجية أو المعطيات المطلوبة، وذلك بعد أن تم تدريبها على 20 مليون كلمة من شعر القرن التاسع عشر ، يقول : أثبتنا قدرة الذكاء الاصطناعي في التعرف على ضربات القلم أو الفرشاة للفنان بطريقة تميزه عن الآخرين مما يتيح التعرف علي كون تلك الضربات تلقائية أم مقلدة ، فقمنا بتجارب علي رسوم لفنانين مثل بيكاسو وماتيس وآخرين وكانت النتائج أفضل مما توقعنا لأننا تعرفنا على الرسوم المزورة بنسبة تصل لـ 100% بالفعل ، وقد حصلنا على براءة اختراع لهذه التكنولوجيا ونقوم حاليا بتطويرها لتشمل أعمال أكثر تعقيدا وأعمال عدد اكبر من الفنانين.

ونشاط د. أحمد الجمال أمتد للرسم عبر الذكاء الاصطناعي ، وذلك عبر مجال الـComputer Visionوقد أنتج بالفعل لوحات مبهرة شارك بها في معارض عالمية ، بل وبعضها يباع بملايين الدولارات ، يقول : تقنيةGANs - Generative Adversarial Networksأو شبكات الخصومة التوليدية تقوم بتوليد مخرجات علي نفس أنماط البيانات المدخلة لها ، فاذا أدخلت لها صور لأزهار مثلا فستتعلم وتنتج صور لأزهار مشابهة، لذلك ليس لها قدرة إبداعية وإنما هي مقلدة للأنماط التي تعلمتها ، ودوري كان في تطويع وتطوير هذه التقنية لتصبح مبدعة عن طريق ابتكار تقنية أسميناهاCAN - Creative adversarial Networkأو الشبكات الخصومة الإبداعية ، وهي لها القدرة علي تعلم الأنماط من المدخلات .. ولكن تولد مخرجات تتميز بالتجديد ، ولإثبات ذلك قمنا بتغذيتها بصور لأعمال فنية من مدارس مختلفة من مدى ٥٠٠ عام من الفن الغربي ، وقامت بتعلم التمييز بين تلك المدارس وإنشاء أعمال جديدة تتبع القواعد الفنية العامة المشتركة ولكن لا تنتمي إلى أي من تلك المدارس الفنية، واللوحات التي قمنا بإنتاجها باستعمال تلك التقنية يتم عرضها في معارض في أماكن عديدة في أنحاء العالم.

نأتي للسؤال الحاسم .. سواء الموسيقي أو الرسم أو الأدب .. فكلها فنون تعتمد علي المشاعر والأحاسيس ، وبالتالي حتي ولو قام بها الكمبيوتر بشكل متقن ، فهل معرفة الناس بمن يقف وراء هذا الإبداع يؤثر علي مشاعرهم تجاهها ؟ يقول د.أحمد الجمال : ربما إلى حد ما ، دائما سيكون هناك إنسان وراء تلك الأعمال وستكون البرمجيات مجرد أداة إبداعية في يد الفنان ، بالتالي المشاعر والأحاسيس سيكون مصدرها الإنسان الذي وراء العمل ، وعلى الجانب الآخر .. فالمتلقي للعمل الفني تتولد عنده مشاعر وأحاسيس مختلفة وتتأثر بثقافته وبيئته وليس بالضرورة أن تتطابق مع مشاعر المبدع ، فالمتلقي ربما لا يهمه إذا كان العمل قد استخدمت فيه تقنيات الذكاء الاصطناعي أم لا مادام شعر بها ، وكثيراً ما يواجهني تساؤل : مع تطور مجال الذكاء الاصطناعي بسرعة كبيرة جداً .. هل بالفعل سينتهي زمن احتكار البشر للإبداع والابتكار ويبدأ عهد الكمبيوتر والروبوتات ؟ والحقيقة أنه منذ شهرين فازت لوحة في مسابقة فنية في الولايات المتحدة .. وأتضح بعد ذلك أن الفنان استعمل تقنية تحول النصوص إلي صور لعمل هذه اللوحة، وهذا أدى إلى مناقشات صاخبة في الصحافة.. فهل يجوز للفنان مثل هذا العمل؟! لا أعتقد أن القضية هي المنافسة بين الإنسان والآلة، ولكن المنافسة ستظل بين الإنسان والإنسان في كيفية استعمال وتطويع الآلة، وسيظل الفن منتجاً إنسانياً حتى لو استعمل الفنان أحدث التقنيات الإبداعية في عمله.