علوم

رحلة بدأت من طب بيطري الزقازيق.. د. إسلام حسين ضمن أهم علماء الفيروسات بأمريكا

"هنالك سحر في خوض معارك تفوق طاقتنا، سحر المراهنة على كل ما لديك من أجل حلم، وكلما كَثٌرَت سقطاتك، كَثٌرَت قصص النجاح التي سوف تقصها على أولادك وأحفادك في يوم من الأيام إن شاء الله "..الكلمات السابقة كاتبها هو د . إسلام...

رحلة بدأت من طب بيطري الزقازيق.. د. إسلام حسين ضمن أهم علماء الفيروسات بأمريكا

"هنالك سحر في خوض معارك تفوق طاقتنا، سحر المراهنة على كل ما لديك من أجل حلم، وكلما كَثٌرَت سقطاتك، كَثٌرَت قصص النجاح التي سوف تقصها على أولادك وأحفادك في يوم من الأيام إن شاء الله "..الكلمات السابقة كاتبها هو د . إسلام حسين والذي تخرج في كلية الطب البيطري جامعة الزقازيق عام ١٩٩٩ .. وكان أول خريج في تاريخها يحصل على تقدير امتياز ، وبعد تخرجه وحصوله على الماجستير بتفوق تقدم مع أكثر من 10 آلاف باحث لدراسة الدكتوراه في جامعة كامبريدج أعرق جامعات العالم .. وتم اختيار اثنين فقط كان هو أحدهما ، وبعد الدكتوراه انتقل من كامبريدج إلي أمريكا ليعمل في المعهد القومي الأمريكي ثم كلية الطب بجامعة كانساس ومنها الي جامعةMIT.. وحالياً يعمل في شركة ميكروبيوتكس وأصبح واحداً من أشهر علماء الفيروسات في العالم.. حكاية نجاح متميزة نكتشفها معاً في السطور التالية .

د. إسلام نشأ في أسرة متوسطة الحال في مدينة الزقازيق ، فقد والده –كان يعمل طبيبا بالسعودية - وهو في السنة الأولى من المرحلة الإعدادية ، والدته ربة منزل وقامت على تربيته ، يقول : أمضيت سنوات تعليمي الأساسي في الزقازيق ، وساعدتني نوعية التعليم هناك على إتقان اللغة الإنجليزية والتي أستخدمها الآن وبشكل يومي منذ ٢٠ عام بعد مغادرتي مصر ، والتحقت بمدرسة الزقازيق الثانوية بنين الحكومية ، لم تكن عندي خطة أو ميول واضحة في هذه الفترة، لكن أتذكر جيدا أني كنت من أكثر الطلبة المتفوقين في اللغة الإنجليزية وكذلك مادة البيولوجيا ، ولم يمكنني مجموعي في الثانوية العامة من الالتحاق بكلية الصيدلة ، فقد كان حلمي بعد التخرج أن أؤسس صيدلية في الطابق الأرضي من منزلنا بالزقازيق وأعيش حياة سهلة ورتيبة ما بين شقتي في الدور الرابع والصيدلية في أسفل المنزل ، و أصبت بخيبة أمل شديدة عندما علمت بأن مجموعي يؤهلني للالتحاق بكلية الطب البيطري، وفكرت في إعادة السنة مرة أخرى على أمل تحسين المجموع، ولكنني رضيت بالأمر الواقع.

د. إسلام لم يكن سعيداً في بداية دراسته بكلية الطب البيطري، ولكن بعد عدة أشهر وقع في غرامها وأدرك أنها كانت أفضل اختيار من الله سبحانه وتعالى يناسب قدراته واهتماماته الدراسية ، يقول : لم أهتم بأي شيء خلال الخمس سنوات سوى محاضراتي ودروسي العملية، وكنت أقضي عدد ساعات كبير أسبوعيا في مكتبة الكلية في مرحلة ما قبل توفر الإنترنت. وكانت النتيجة الحمد لله على مستوى المجهود، وكنت أول طالب يحصل على تقدير امتياز مع مرتبة الشرف منذ تاريخ إنشاء كلية الطب البيطري - جامعة الزقازيق - في عام ١٩٦٩، وتم تعييني كمعيد بقسم الفيروسات، ووضعت قدمي على أول خطوة في السلم الأكاديمي التقليدي ، كان حلم استكمال دراستي العليا بالخارج يداعبني منذ أن كنت طالبا في سنوات الدراسة الأخيرة بالكلية، ووهبت نفسي أيضا لحلم استكمال الدراسة في الخارج بعد حصولي على درجة الماجستير بسبب تقديراتي العالية، وكنت من أكثر المؤهلين من هيئة التدريس بجامعة الزقازيق للحصول على بعثة حكومية كاملة لدراسة الدكتوراه في الخارج ، ولكن جاءت المفاجأة غير المتوقعة في سبتمبر ٢٠٠١ بعد أحداث ١١ سبتمبر في أمريكا، حيث أصيب نظام البعثات بالشلل التام نتيجة لأن أغلبية طلاب البعثات المصريين في ذلك الوقت كانوا يختارون أمريكا كبلد للابتعاث ، لكن الله سبحانه وتعالى أنعم علي بمنحة دراسية من جامعة كامبريدج مكنتني من استكمال الحلم الذي كان على وشك الزوال ، وأعتبر نفسي من المحظوظين أيضا لأن التحاقي بهذه الجامعة العريقة وفر لي بيئة خصبة وغنية في إمكانيات التحصيل العلمي والتنوع الإنساني ، وفتحت لي الباب لأن أتعامل مع علماء كبار في مختلف التخصصات وطلبة من جميع أنحاء العالم باختلاف ثقافاتهم ، ثم جاء قرار الانتقال لأمريكا بعد الانتهاء من دراسة الدكتوراه كخطوة منطقية لاستكمال التدريب البحثي واكتساب المزيد من الخبرة العلمية في مرحلة ما بعد الدكتوراه.

وبعد شهور من انتقاله للعمل كباحث في معاهد الصحة القومية الأمريكية، دخل د.إسلام في دوامة طلب إجازة من عمله بجامعة الزقازيق لاستكمال أبحاثه وتحصيل أكبر قدر ممكن من الخبرة ، وتم منحه إجازة لمدة عام واحد فقط .. وبعد انتهائه حاول جاهدا تجديد الإجازة بدون راتب ، وخاصة أنه لم يكلف ميزانية الدولة قرشا واحدا في دراسة الدكتوراه أو مرحلة أبحاث ما بعد الدكتوراه، ولكن للأسف لم تفلح أي من هذه المحاولات ، يضيف: قيل لي وقتها إن قانون تنظيم الجامعات، الذي تمت صياغته في عام ١٩٥٩، لا يسمح بمنحي إجازة حتى لو لم أكن مبتعثاً على ميزانية الدولة ، بصراحة .. كيف لقانون وُضع في الخمسينات أن يصلح لتنظيم واقع ووضع عالمي جديد في أوائل الألفينات؟! فقد كان هناك اعتقاد خاطئ في هذه الحقبة الزمنية التي سُنت فيها هذه القوانين بأن الدكتوراه هي نهاية الطريق، في حين أن الواقع العالمي الحالي يعتبرها بداية الطريق بالنسبة لأي باحث ، ولابد وأن تتطور هذه القوانين لمواكبة التغيرات في الخريطة العلمية، وتقليل الخسائر التي تتكبدها الدولة كنتيجة لنزيف العقول المستمر ، وللأسف بعد عدة إنذارات .. تلقيت خطاباً بالفصل وتم إنهاء خدمتي بجامعة الزقازيق نظرا لعدم عودتي لاستلام العمل ، وحتى يومنا هذا أشعر بغصة في حلقي كلما تذكرت تفاصيل هذه الفترة المؤلمة من حياتي، حيث أني مرتبط عاطفيا بشكل وثيق بكليتي ولي فيها تاريخ مشرف والحمد لله ، ولم يكن أمامي اختيار سوى استكمال طريقي البحثي والتقدم بطلب للهجرة والاستقرار الدائم في أمريكا.

بالتأكيد واجهت د. إسلام عقبات في البداية مع أسرته ، على سبيل المثال، بدأ من الصفر في شقة لم تتوافر بها حتى ملعقة، كما واجه تحدياً مع ابنه وابنته فيما يخص تخطي الفوارق في النظام الدراسي بين المدارس البريطانية والأمريكية ، بجانب التأقلم مع المجتمع الأمريكي ومحاولة ربط أولاده بجذورهم المصرية وديانتهم الإسلامية ، وهو هنا يذكر بكل خير الدور الكبير الذي قامت به زوجته ،وبدأ عمله هناكبالمعهد القومي الأمريكي ، ثم جامعةMITالتي تهتم بتطوير المشاريع الناشئة ، وهو مناخ جامعي مرموق ، ومؤخراً يعمل كبيراً للعلماء في شركة "مايكروبيتكس"، يقول : بالتأكيد هناك اختلاف كبير بين وظيفتي الحالية وعملي الأكاديمي قبل ذلك ، فالأبحاث العلمية في الشركات يغلب عليها الطابع التطبيقي وتهدف إلى تطوير منتج يتم طرحه في الأسواق ، وذلك بعكس الأبحاث الأكاديمية التي تهدف بشكل كبير إلى الترقي الوظيفي ، وهناك أيضا درجة تنافسية عالية جدا داخل المجتمع الأكاديمي على منح التمويل البحثي، مما يخلق بيئة غير صحية في بعض الأحيان ، كما أن العمل الأكاديمي في معظمه قائم على فرد واحد وهو رئيس المجموعة البحثية، في حين أن العمل البحثي في الصناعة يحركه فريق متكامل، ونجاحه هو نجاح للمنظومة بأكملها ، وطبيعة أبحاثي الحالية تتلخص في محاولات مستمرة لاكتشاف وتطوير أدوية مضادة للأمراض الفيروسية، التي تتسبب في مشاكل صحية واقتصادية كبيرة، عشنا إحداها حديثا بكل تفاصيلها المريرة مع جائحة كوفيد.

د. إسلاميعتبر أن الهندسة الوراثية للفيروسات قد تبدو كاللعب بالنار، لكنها ضرورية لتطوير أدوات تساعدنا على مكافحة العدوى، يفسر ذلك قائلاً : تهدف التقنيات البحثية المعتمدة على الهندسة الوراثية إلى فهم طبيعة الفيروسات وأدق التفاصيل في بيولوجيتها المعقدة ، على سبيل المثال، لكي نقيس قدرة فيروس جديد غير مدروس بدرجة كافية على أحداث عدوى في الخلايا البشرية، يستطيع العلماء تحت ظروف أمان معملي صارمة إدخال بعض التعديلات الوراثية على هذا الفيروس ودراسة تأثيرها ، أيضا أغلبية هذه التجارب تعتمد على نماذج محاكاة، وليست فيروسات مكتملة التركيب، مما يجعلها أكثر أمانا ، والهدف من هذه التجارب هو فهم الطفرات المسئولة عن التغيرات في سلوك الفيروس، ومن ثم الاستعداد الجيد له عن طريق تطوير علاجات أو لقاحات لو مكنت هذه الطفرات الفيروس من الانتقال بسهولة بين البشر ، وهناك إطار أساسي ينظم ويتحكم في مثل هذه التجارب، ألا وهو تقدير لقيمة المنفعة العلمية في مقابل المخاطرة المحسوبة ، وهناك بعض الفئران المعدلة وراثيا يتم استخدامها في التجارب المعملية ، مثلأً في تجربة تم إجراؤها في جامعة بوسطن تم استخدام نوع من الفئران معدل وراثيا بحيث أن خلايا هذه الفئران تستطيع إنتاج المستقبلات التي يرتبط بها الفيروس المسبب لكوفيد على سطح الخلايا البشرية ، وكان الهدف من هذه التجارب هو الإجابة عن سؤال: هل الطفرات الموجودة على البروتين الشوكي الخاص بمتحور أوميكرون هي ما جعلته أقل ضراوة من الفيروس الأصلي؟ للإجابة عن هذا السؤال، قام الباحثون باستبدال البروتين الشوكي للفيروس الأصلي بالمناظر له في أوميكرون، والنتيجة أن الفيروس الأصلي كان أكثر ضراوة في الفئران من الفيروس الهجين ، وعلى ذلك استطاعوا استنتاج أن ضراوة الفيروس وشدة المرض الذي يتسبب فيه غير مرتبطة بالطفرات الموجودة في البروتين الشوكي، ولكن ربما في بروتينات أخرى خاصة بالفيروس.

وعلي ذكر الفيروسات .. كل فترة بعض وسائل الإعلام تتعمد بث الرعب من ظهور أنواع جديدة ، انتهينا من كورونا ظهر جدري القردة وماربورج ثم متحور يوم القيامةXXB، فهل هذه الفيروسات خطيرة لعدم وجود لقاح لها أم بسبب طبيعة انتشارها أم أعراضها ؟ يجيب د. إسلام : كل فيروس هو حالة قائمة بذاتها، وأكثرهم خطورة على الإطلاق هي الفيروسات التي تستطيع الانتشار بسهولة بين البشر، مسببة لنسبة عالية من الوفيات، ولا نمتلك أي علاجات أو لقاحات لمكافحتها ، نعم انتهينا من الجائحة، ولكن لم ننته من كورونا وسيظل هذا الفيروس موجود بيننا وسيستمر في إحداث حالات عدوى بين البشر، لكنه أقل خطورة الآن لأن أغلبية البشر يمتلكون درجة مناعة جيدة ناتجة عن العدوى الطبيعية والتطعيمات ، و لم يظهر جدري القردة فجأة، ولكنه فيروس قديم تمكن من إحداث وباء انتشر إلى عدد كبير من دول العالم في فترة قصيرة ، ومن حسن الحظ ان نسبة الوفيات الذي يتسبب فيها منخفضة جدا، وتقتصر خطورته على الأشخاص الذين يعانون من ضعف شديد في الاستجابة المناعية ، ولذلك لا بد أن يتم تقييم خطورة كل فيروس على حدة بناء على المعلومات المتاحة لدينا والأسلحة التي نمتلكها للتقليل من خطورته أو انتشاره.

د . إسلام يعتبر واحداً من العلماء المهتمين بنشر الثقافة العلمية عن الفيروسات ، خاصة عبر قناته العلميةVirolVlogعلي يوتيوب ،وهويعتقد أنه من الواجب على العلماء التواصل مع الناس بشكل أكثر وبطريقة أسهل ، وأن أحد أهم التحديات التي تواجههم هي نطاق تأثيرهم المحدود وفيضان المعلومات المغلوطة والعناوين الرنانة غير الدقيقة التي يتم تداولها في وسائل الإعلام ، وقد تم ترشيح د. إسلام مؤخراً لجائزة عالمية خاصة بأفضل المؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي في أثناء جائحة كوڤيد ،يقول :ترشيحي لهذه الجائزة هو شرف كبير، ولكن الأهم من هذه الجائزة هو خلق المجال الذي يسمح لهؤلاء المؤثرين، خصوصا العرب منهم، لتسهيل مهمتهم في أنتاج محتوى علمي دقيق وبسيط، وقادر على الوصل إلى الملايين.

قلت للدكتور إسلام حسين :أعذرني لو بدا سؤالي ساذجاً للبعض ولكنه محور عملك وأبحاثك .. في رأيك من الأخطر علي الحياة ، الإنسان أم الفيروسات ؟ رد سريعاً : بالعكس، هذا سؤال يستحق قدراً عالياً من التأمل ، وأنا سبق وكتبت مقالاً تحت عنوان: أيهما أكثر فتكاً بالبشرية: الفيروسات أم البشر أنفسهم؟ حاولت فيه أن أقارن بين ضحايا الحروب وضحايا الأوبئة الفيروسية ، وهناك العديد من الإحصائيات التي تشير إلى أن حجم الخسائر البشرية الناتجة عن الحروب التي شنها البشر على بعضهم على مدار التاريخ ربما كان أكبر من خسائر الأوبئة الفيروسية مجتمعة ، أيضا أغلبية الأوبئة الحديثة تسببت فيها فيروسات انتقلت من الحيوان للإنسان كنتيجة لسلوك الإنسان الذي يدفعه لاقتحام خلوة الحياة البرية محدثا لخلل في التوازن الطبيعي ، وهناك جانب آخر مفيد للفيروسات للآسف لا يخضع لتسليط الضوء المطلوب، وربما كانت الحياة على الأرض أصعب أو مستحيلة على الإطلاق بدونهم !.