تعتبر جامعة يوتاالأمريكية مؤسسة بحثية رائدة من المستوى الأول عالمياً ، وتشتهر بالعلوم الحيوية والابتكارات التقنية ومعروفة بالابتكارات الطبية، وهي تقدم أكثر من 100 برنامج بكالوريوس و90 برنامج ماجستير عبر 18 كلية ومدرسة، ولأنها جامعة حكومية .. وصلت ميزانية التعليم العالي في يوتا خلال العام الماضي لنحو 2.1 مليار دولار، ووسط هذه البيئة العلمية رفيعة المستوى يتواجد عالم مصري شاب خاض تجربة مختلفة منذ دراسته للطب .. ثم تحوله إلى الإعلام والاتصالات وتكنولوجيا التعليم.
قصة د.رامي شعبان بدأت من ولادته بمدينة الرياض، حيث كان والده يعمل بالسعودية، وبعدما أكمل عامين عادت الأسرة إلى الإسكندرية حيث قضى سنوات دراسته الابتدائية وجزءًا من الإعدادية، يقول: منذ صغري اكتشفتُ شغفي بكل ما يتعلق بالرياضيات، وفي سن الثانية عشرة انتقلنا إلى الكويت لمدة 6 سنوات و حصلتُ هناك على شهادة الثانوية العامة، وكنت في المركز الثامن على مستوى البلاد، ووقتها أشتري والدي جهاز كمبيوتر لي، وبينما كان إخوتي مولعين بالألعاب كنتُ مهتمًا باستكشاف برامج مثل منتجات مايكروسوفت، وبناء مواقع ويب بسيطة باستخدام برنامجFrontPage، وإنتاج الرسوم المتحركة ، وبعد أن أنهيت الثانوية العامة بتقدير 99.3%، وبعد نقاش مع والديّ، قررت الالتحاق بكلية الطب في الإسكندرية، كان قرارًا غريبًا نظرًا لشغفي بالرياضيات والفيزياء والحاسوب، لكنني اعتقدت أنه من الأفضل الالتحاق بأفضل جامعة لضمان مستقبل مهني ناجح.
وفي كلية الطب واجهتُ د.رامي شعبان العديد من التحديات، فقد أدرك منذ اللحظة الأولى أن هذه الكلية لا تناسبه ، صحيح أنه كان شغوفاً بتعلم كل شيء عن جسم الإنسان، لكنه شعر بأن قدراته في مجالات أخرى مثل الرياضيات والفيزياء مُهددة لأن الطب له مسار مختلف تمامًا، كما كانت دراسة الطب تتطلب الكثير من الحفظ والالتزام بإرشادات محددة، مع قلة المرونة، وكل ذلك كان يتعارض مع شخصيته ، يضيف : بدأتُ البحث عن شغفي داخل الكلية، لأن الرحيل لم يكن خيارًا مطروحًا بالنسبة لي ، وهنا بدأت في تصميم المواقع الإلكترونية والرسوم المتحركة لمجموعة من الأصدقاء الذين كانوا أيضًا مولعين بالتكنولوجيا، وأسسنا جمعية طلابية باسم"AlexMed"، حيث كنا نُنتج رسومًا متحركة لتبسيط المعرفة الطبية، كما أنشأنا نظامًا بدائيًا لإدارة التعلم - لم يكن هذا المصطلح موجودًا آنذاك- أطلقنا على أنشطتنا اسم "التعلم الإلكتروني بين الطلاب" ، وقررنا عرض عملنا على إدارة الكلية وطلبنا منهم السماح لنا بإنشاء أول نظام لإدارة التعلم لديهم. وقد أبدوا دعمًا كبيرًا ومنحونا نطاقًا رسميًا. أصبح هذا النطاق أول موقع إلكتروني لكلية الطب بالإسكندرية وأول نظام لإدارة التعلم فيها ، ولاحقًا، بعد تخرجنا، كان عميد الكلية آنذاك، الأستاذ الدكتور محمود الزلباني، داعمًا جدًا لنا، وقرر توظيفنا لمواصلة إدارة وحدة التعلم الإلكتروني التي أنشأناها خلال سنوات دراستنا، كانت تلك الفترة من أمتع فترات حياتي، مع أنني لم أتوقع حينها أن تقودني هذه الهواية إلى مسيرتي المهنية الحالية.
بعد التخرج، تم تعيين د.رامي شعبان في قسم التعليم الطبي لمواصلة إدارة وحدة التعلم الإلكتروني ، كان أيضًا يتدرب سريريًا في طب الأنف والأذن والحنجرة ،ولكن مرة أخرى، وجد أن وقته في وحدة التعلم الإلكتروني أكثر متعة من وقتي في التدريب الطبي، وفي أحد الأيام، لفت انتباهه ورقة إعلان معلقة بالقرب من الوحدة التي كان يعمل فيها عن منحة دراسية لدرجة الماجستير في التعلم الإلكتروني في الولايات المتحدة، وهنا شعر بأن فرصته التي يبحث عنها جاءته ، يقول : كان قرارًا صعبًا للغاية لأنه كان يعني التخلي عن مسيرتي المهنية في المجال الطبي السريري تمامًا، لا يمكنك ببساطة السفر للدراسة للحصول على درجة الماجستير لمدة عامين ثم العودة بشكل طبيعي إلى مسيرتك المهنية السابقة ، وبعد تفكير اتخذت قراري واخترت أن أتبع شغفي، صحيح أن دراسة الطب ساهمت في صقل عقلي وشخصيتي، وجعلتني أمتلك مهارات متعددة التخصصات، وقادرة على التكيف مع مجالات متنوعة، لكن تجاربي الالكترونية في وحدة التعلم زادت اقتناعي بأن هذا الجانب من حياتي لم يكن مجرد هواية، بل كان إعدادًا لمهنة ناجحة، وتواصلت مع الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية(USAID)، ووجدت أن جامعة إنديانا في بنسلفانيا من الجامعات القليلة جدًا التي تُقدم هذه الشهادة حضوريًا وليس أونلاين، وتقدمت بطلبات إلى عدة جامعات، وقُبلت في اثنتين، ورُفضت من جامعات أخرى، واخترت في النهاية جامعة إنديانا في بنسلفانيا، وبعد إتمام الماجستير، قُبلت لمتابعة دراسة الدكتوراه في تكنولوجيا التدريس في الجامعة نفسها، وهو ما أتاح لي ذلك تعميق خبرتي والبناء على الأساس الذي وضعته خلال دراستي للماجستير، نعم تركتُ الممارسة السريرية، لكنني لا أعتبر نفسي تركت الطب، كان لديّ هدفٌ أسمى وهو : تغيير التعليم الطبي حول العالم، في ذلك الوقت، كنتُ أعتقد أن الأطباء بارعون في الممارسة السريرية، لكنهم غالبًا ما يفتقرون إلى الكفاءة في التعليم، كما كنتُ أؤمن أن من كان طبيبًا ثم كرّس نفسه للتعليم هو ما يحتاجه المجال الطبي تحديدًا. لقد كان هذا الشغف دافعي.
د.رامي شعبان رغم أنه درس وتخصص في الطب ، لكن الغريب أنه يعمل استاذاً في تكنولوجيا التعليم وعلوم التعلم في جامعة ولاية يوت ا(USU)، وهو يقول إن عمله متعدد التخصصات، ومع أنه أستاذ في تكنولوجيا التعليم وعلوم التعلم، إلا أن القسم نفسه يتبع لكلية التربية والخدمات الإنسانية، التي تضم جميع أقسام الرعاية الصحية، ومن مهام الكلية ربط التعليم بالطب، وهذا تحديدًا ما يقوم به، ويكمل قائلاً : جميع أبحاثي موجهة نحو التعليم الطبي، لديّ برنامج بحثي نشط لاستكشاف التقنيات الناشئة وكيفية توظيفها لتحسين التعليم الطبي، ويركز بحثي على بناء تجارب محاكاة سريرية تهدف إلى تحسين تدريب الأطباء المقيمين والزملاء والأطباء الاستشاريين بعد التخرج، وأعمل بالتعاون مع العديد من المستشفيات في جميع أنحاء أمريكا لتحقيق هذا الهدف، وكنت أيضًا زميل باحث في المركز الطبي لمستشفى سينسيناتي للأطفال، المصنف كأفضل مستشفى للأطفال في الولايات المتحدة، حيث قمت ببناء محاكاة سريرية تفاعلية. حاليًا، لازلت أعمل معهم لاستكشاف التقنيات الجديدة وبناء تطبيقات الذكاء الاصطناعي لتحسين التفكير السريري والتدريب، لديّ أيضاً تعاونات داخل الكلية مع أقسام سريرية مثل التمريض والتربية الخاصة والتأهيل وعلم السمع لبناء تطبيقات الواقع الافتراضي التي توفر تجارب محاكاة سريرية.
د.رامي شعبان بخلاف دراسته الطبية هو حاصل على درجة الدكتوراه في الإعلام والاتصالات وتكنولوجيا التعليم، وأبحاثه تركز على دمج التكنولوجيا والواقع الافتراضي والألعاب التعليمية في الطب والتعليم، ولذلك سألناه : وهل يمكن أن يتعلم طلاب الطب المناهج الدقيقة وشديدة التعقيد عبر الألعاب؟ فأجاب : نعم، يُعدّ التعلم القائم على الألعاب جزءًا مهمًا من عملي، فالتفاعل والتجارب الغامرة تُتيح للطلاب تجارب تُحاكي الواقع، وهو أمر بالغ الأهمية في مرحلة ما بعد جائحة كوفيد-19، حيث يرغب الطلاب في الوصول عن بُعد إلى تدريب عالي الجودة،و لطالما رأيتُ التعليم الطبي مملًا، وصعبًا، ومعقدًا للغاية، ومن بين الطرق المُتاحة لتجاوز هذا التعقيد ما نسميه التجارب المُحفزة بالألعاب، فعند تصميمها بشكلٍ جيد، تُشجع الألعاب المتعلمين، وتُجسّد المفاهيم المجردة، وتُمكّن الطلاب من ممارسة اتخاذ القرارات في بيئات آمنة قبل التعامل مع المرضى الحقيقيين، كما أعمل كمنسق لبرنامجHEDIالذي يشتهر بابتكارات في تصميم التعلم القائم على المحاكاة ، ويركز هذا المجال على التجارب التي تتمحور حول الإنسان، حيث يُوضع الإنسان في صميم عملية تصميم التجربة، نُعلّم طلابنا كيفية تحليل الاحتياجات الإنسانية، وكيفية التصميم بما يُناسب الإنسان، وكيفية التخطيط المُتعمّد لبناء تجارب تُعزز القدرات الإنسانية.
أيضاً بمناسبة مساهمته في تصميم وتطوير برامج تدريبية طبية للمقيمين والأطباء المتخصصين والأطباء الممارسين بأحد المستشفيات، سألناه عن إمكانية تعلم مهنة الطب عن بعد، فقال: ليس كل شيء في الطب يمكن اكتسابه عن بُعد، ولا نسعى إلى فرض التعلّم عن بُعد في كل شيء، بل إننا نتعمد في عملنا عدم التوصية بالتعلّم عن بُعد للمهارات التي يتطلب تدريبها حضورياً، لكننا نشجع جميع أنواع التدريب التي يمكن إجراؤها عن بُعد، وهو الأمر يتعلق بالتخطيط الاستراتيجي والهادف لما يناسب كل أسلوب.
وبديهي من واقع تجربته الطويلة التي تمتد لنحو 15 عاماً منذ تخرجه وحتى اليوم أن نسأله عن تقييمه للتعليم الطبي في مصر ، وكيف يمكن حل مشاكله من خلال التكنولوجيا ، يقول : أعتقد أننا في مصر بحاجة إلى أن تُدرك الجامعات أهمية التكنولوجيا في التعليم الطبي. نحن متأخرون قليلاً في هذا المجال، لكنني أرى بعض المبادرات الواعدة في مصر. أعتقد أننا بحاجة إلى السعي للحصول على الدعم المالي واللوجستي لإحداث تغيير حقيقي، بما في ذلك دعم البنية التحتية التي تُمكّن التعليم الطبي القائم على التكنولوجيا ، وأرى بالفعل تغييرات تطرأ على تصميم المناهج الدراسية الجديدة في كليات الطب بمصر، أرى الكليات تتحول من الامتحانات الكتابية إلى أسئلة الاختيار من متعدد، وهي خطوة إيجابية. أتطلع بشوق إلى رؤية تحسن في استخدام التكنولوجيا في التعليم، فهذا ما نفتقده اليوم في مصر، ونحن لدينا الموارد، لكننا بحاجة إلى ضمان استدامتها، نحتاج إلى بنية تحتية أقوى: إنترنت جيد وبأسعار معقولة، ومختبرات حاسوب مجهزة تجهيزًا جيدًا، وتعليم حاسوبي في المدارس يُخرّج جيلًا مُلمًا بالتكنولوجيا. بهذه الطريقة، نُهيئ طلابنا لاستخدام التكنولوجيا بسلاسة ، ونحن بحاجة فعلًا إلى التقليل من الحفظ لصالح دعم الكفاءات مثل التفكير النقدي والتعلم مدى الحياة،ومستقبل الرعاية الصحية يتطلب أطباء قادرين على التكيف والتحليل والتفكير الإبداعي، لا مجرد استرجاع المعلومات.
وقد تمكن د.رامي شعبان من الحصول على منحة لقسم الإعلام والاتصالات في جامعة إنديانا لإنشاء مختبر محاكاة للواقع الافتراضي، واستخدم معدات الواقع الافتراضي التي حصل عليها لتطوير دورتين دراسيتين لطلاب البكالوريوس في الواقع الافتراضي وتطوير ألعاب الواقع الافتراض، كما قام بتصميم وتطوير وحدات تفاعلية عبر الإنترنت للتدريب على كيفية التعامل مع الأشخاص المصابين باضطراب طيف التوحد عن بعد، بجانب تخصصه في تصميم ألعاب الفيديو والوسائط المتعددة وإعداد الطلاب لسوق العمل من خلال بناء علاقات وشراكات جديدة داخل وخارج جامعة ولاية يوتا، ولكن .. بعد هذا المشوار ، هل يشعر بالندم لأنه درس الطب من البداية وليس الهندسة .. أم العكس صحيح وأنه يشتاق أحياناً للعودة لممارسة الطب سواء في عيادة خاصة أو بالمستشفيات؟ يقول د.رامي شعبان : أتمنى أن يجد الجميع في قصتي معنى مختلفاً ، وأن يدركوا أن مستقبلهم قد يكون مختلفًا تمامًا عما يتوقعونه، آمل أن يستخلصوا منها رسالة قيّمة: أنتم، كبشر، كائنات قادرة على التطور والنمو من خلال العمل الجاد والتفكير المستقبلي، كما آمل أن يدرك الجميع أهمية التخصصات المتداخلة، فهذا هو التوجه السائد في المستقبل القريب. في عصر يُشكّل فيه الذكاء الاصطناعي مسار كل مهنة، نحتاج إلى فهم ضرورة اكتساب مهارات متعددة التخصصات والقدرة على التكيف ، علينا أن نخرج من منطقة راحتنا وندفع أنفسنا إلى مجالات قد تُخيفنا في البداية، وأعتقد أن على كل طبيب أن يتعلم كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي في ممارسته بدلًا من مقاومة التغيير، وأن يكون قادرًا على استخدام أو بناء أدوات ذكية تجعل عمله أكثر كفاءة، وهذه هي الرسالة التي أود إيصالها: تقبّل التغيير، وكن مرنًا، ولا تدع ماضيك يُحدد مستقبلك.