ولدت في عائلة أكاديمية.. الأب والأم أساتذة جامعيين والشقيقة الصغرى حاصلة على الدكتوراة من إنجلترا، أهلها كانوا يريدون أن تصبح طبيبة لكن رغبتها كانت مختلفة، وبسبب نتيجة الثانوية العامة التحقت بكلية التجارة بجامعة القاهرة، ورغم نشاطها الرياضي من خلال ممارسة كرة اليد ومشاركتها في اتحاد الطلاب.. كانت أحلامها أكبر من ذلك بكثير.
البروفيسور ملاك عطية تبدأ قصتها من السنة الثانية بالكلية حينما قررت أن تبدأ حياتها العملية وعمرها 19 عاماً فقط ، تقول : بالصدفة حصلت علي فرصة العمل مضيفة طيران ، والدي شاهد إعلاناً لشركة الطيران السعودي، وهو الذي شجعني رغم تأكيده أنهم لن يقبلوني، وخضت الاختبارات رغم صعوبة المنافسة لتواجد "ملكات جمال" الحقيقة وأصحاب مؤهلات علمية، بينما أنا طالبة ، ولكن والحمد لله تم قبولي وبدأت أسافر في كل مكان ، وفي الوقت نفسه أتابع دراستي بالكلية ، وفي مرة نزلت من الطائرة على لجنة الامتحان ، وخلال إجازتي الشهرية لمدة أسبوع كنت أقضي ساعات طويلة في الكلية لتعويض ما فاتني ، كنت أذاكر وأنا في مطارات العالم لأن والدي ووالدتي كان شرطهما لمواصلة عملي هو ألا أرسب في دراستي ، جدتي عندما عرفت أنني سأعمل مضيفة طيران وفي شركة غير مصرية وسأعيش في دول عديدة .. تخيلت أنها سترفض، ولكنني فوجئت بها تشجعني لكي تصبح شخصيتي أفضل ، أسرتي كانت مؤمنة بأنهم زرعوا البذرة الطيبة .. بالتالي لن تتغير شخصيتي سواء داخل مصر أو خارجها مادام الأساس صالحاً والحمد لله ، بيئة التربية أثرت في حياتي .. ومهنة المضيفة جعلتني أكثر انفتاحاً بعدما تعرفت مع أصحاب ثقافات مختلفة ، لم أعد أخاف من الناس .. أصبحت أكثر شجاعة في الكلام والتعبير عن نفسي ، العمل تحت ضغط وبسرعة ودقة والصبر لأقصى درجة والهدوء، أيضاً السفر يجعلك تري بلدك بمنظور مختلف .. مثلاً ، في أرقي مدن أوروبا تجد بالوعات الصرف في منتصف الشارع .. وهو ما نشكو منه هنا ونعتبره مشهداً سيئاً ، في كندا المدافن تجدها دائماً في أرقي وأجمل مكان حول البحيرات .. ما كنا نعتبره عادياً ومملاً في مصر نعرف قيمته بالخارج مثل الأكل أو نظام التعليم أو حتى شكل البيوت القديمة .
بعدما أنهت دراستها الجامعية ورغم أنها كانت تعمل بالفعل مضيفة طيران .. لكن طبيعة نشأتها في أسرة أكاديمية أثرت فيها بشكل كبير ، لذلك بدأت دراساتها العليا وتحضير الماجستير ، تضيف : واصلت المذاكرة بين الرحلات وفي المطارات والفنادق بكل عواصم العالم ، كانت حياتي كلها عبارة عن عمل وقراءة كتب ومذاكرة فقط ، خاصة وأن مجتمع الضيافة متنوع جداً .. فهناك من فئات اجتماعية عالية ومهندسين وأطباء ومن أصول أجنبية .. بينما أنا كانت حياتي مختلفة ، نعم أعمل مضيفة ولكن بتعليمات أمي والتي كانت كلما عدت " تستجوبني " .. ماذا فعلت ومتي ومع من .. ظللت حتي وأنا كبيرة وخريجة جامعية وأسافر كل دول العالم في نظرها طفلتها الصغيرة ، وتخصصي في مجال التسويق جاء لأن والدي كان أستاذاً جامعياً في هذا المجال ، وبالفعل حصلت علي الماجستير ، وبسبب صعوبات أكاديمية وعملية وشخصية كثيرة .. حصلت على الدكتوراة خلال 13 سنة ، كنت أحضر الدراسة في جامعة أسيوط وقمت بتغيير الرسالة عدة مرات وشعرت كثيراً باليأس وكدت أتوقف ، ولكن في النهاية والحمد لله حصلت علي الدرجة العلمية.
ولكن بعد ظروف زواجها ثم الإنجاب جاء ترتيب الهجرة لكندا ، تقول : أولادي كانوا يدرسون في مدارس دولية بالقاهرة ، وفوجئت بأنهم لا يتحدثون العربية إلا قليلاً وكل المدرسين أجانب ، وكل من حولهم كانوا سيكملون دراساتهم الجامعية في الخارج ، وهذا شجعني على قرار السفر، والدراسة في كندا بالمناسبة كانت أضعف من مصر .. بعد عدة أيام كانوا متميزين جداً ،
جامعة وندسور في كندا، تأسست عام 1857 ، وتعد واحدة من أرقى الجامعات في أمريكا الشمالية وتقع في مدينة وندسور بمنطقة أونتاريو ، وقد أخبرتنا د.ملاك عطية بمفاجأة وهي أن مالكها من أصول مصرية ، تقول : لي صديقة كانت تقوم بتحضير الدكتوراة في هذه الجامعة ، وبما أنني حاصلة بالفعل علي الدكتوراة في التسويق سألتها عن وجود فرص عمل .. فأخبرتني أنهم بالفعل أعلنوا عن حاجتهم لأعضاء في هيئة التدريس، وتواصلت مع صاحب الجامعة وبعدما شاهد خبراتي وسيرتي الذاتية تم قبولي ، لكن هنا أود التوقف عند نقطة مهمة .. قد يعتقد البعض من خلال السرد السابق أن الأمور كانت دائماً سهلة .. لا .. أيامي الأولى في كندا كانت شديدة الصعوبة، فأنا سافرت مع أولادي بمفردنا لأن زوجي يعمل مهندس بترول عالمية، صحيح أنا مضيفة طيران وأعتدت على السفر .. لكن كانت رحلات سريعة وليست هجرة ، أيضاً لم أتخيل أن الجو برد لهذه الدرجة ، والعادي هنا العواصف الثلجية التي يمكن أن تقتلع الأشجار من أماكنها .. كانت أقصى أحلامي وقتها أعيش يوماً واحداً من صيف مصر الحار الذي كنا نتضايق عليه، من أول يوم تعلمت كيفية إزالة الثلوج من سطح البيت والباب والشبابيك .. كما أن التعامل العابر مع أجانب يختلف عن الحياة معهم بشكل دائم، حتى قيادة السيارات هناك مختلفة ، اللكنة الإنجليزية غريبة.. تنوع الثقافات بسبب اختلاف المهاجرين يجعلك تعيش بعدة شخصيات لأن الذي يضحكك أو يحزنك أو يدهشك قد لا يفهمه البعض أصلاً ، أيضاً الكندي يقول عن نفسه أنه لطيف .. لكن الحقيقة أن كثيرين لديهم عيب وهو " لا ينسون " الإساءة .. أو كما نقول " غلاّوي " ، وهنا حساسية عالية تجاه مبالغات المجاملات التي اعتدنا عليها في مصر، مثلاً إذا قلت لباحث أن ما تقوم به ممتاز ورائع قد يعتقد أنني أسخر منه لأن ما قام به أصلا عادي .. أنا هدفي تشجيعه ولكنه حسب ثقافته يريد دقة الأحكام والتوصيف .
د.ملاك عطية تقوم بالتدريس في جامعة وندسور أونلاين لكي تصبح التكلفة أقل للطلاب، لكنها حصلت علي كورسات عديدة عن طرق التدريس . فهناك فارق بين الدرجة العلمية والقدرة علي توصيل المعرفة لطلاب من ثقافات مختلفة ، فهو مجتمع معظمه من المهاجرين، تكمل: مهنة التدريس الجامعي والبحث العلمي كانت المناسبة لي، والحقيقة أعداد الطلاب هنا أقل بكثير مقارنة بالفترة التي كنت أقوم فيها بالتدريس في مصر ، هنا كحد أقصى يكون معي 30 طالباً فقط في المحاضرة ، وهو ما يمنح الفرصة لأنشطة عملية كثيرة بعيداً عن الكلام النظري، فأنا أقوم للتدريس لطلاب من كندا ونيجيريا وكوريا وباكستان وعرب ومن جنسيات كثيرة ، ولأنني مهاجرة مثلهم أشعر بهم وبمعاناتهم في الأيام الأولى أحاول مساعدتهم في تجاوز " الصدمة الثقافية" ، وضمن الأمور المبتكرة هنا أن الطلاب أو الكيان الأكاديمي يقومون بكتابة ما تشبه السيرة الذاتية للأستاذ الجامعي ، وقام طلابي بوصفي بـ " قائدة ذات تفكير مستقبلي " لأنهم يعتبرونني أستاذة حامعية نشيطة ومتحمسة ولديها شغف عميق بالتدريس والتعلم ، فأنا حاصلة على دكتوراه في التسويق الدولي، ودرجة ماجستير في القيادة، وشهادة إدارة مشاريع احترافية(PMP)، وشهادة مسوق محترف معتمد(CPM).بخبرة تزيد عن 10 سنوات في التدريس، كذلك سبق وعملت مع شركة للخدمات النفطية كمديرة مشاريع في مجال التسويق في مصر، وكمسوقة رقمية في دبي. وبالطبع خلفيتي المهنية أيضًا لمدة 8 سنوات كمضيفة طيران ، مما يُعزز مهاراتي المتنوعة في المجالات الأكاديمية وإدارة المشاريع والتسويق.