عقول مهاجرة

د.محمد عطية أستاذ هندسة الكيمياء بجامعة رايس: البعض كان يقلل مني لأنني خريج زراعة

د.محمد عطية أستاذ مساعد في قسم الهندسة الكيميائية والبيولوجية الجزيئية بجامعة رايس الأمريكية، ومهندس بيئي ورئيس لمجموعة بحثية في مركز الحلول البيئية والاستجابة للطوارئ (CESER) التابع لوكالة حماية البيئة الأمريكية(EPA)، ك...

د.محمد عطية أستاذ هندسة الكيمياء بجامعة رايس: البعض كان يقلل مني لأنني خريج زراعة

د.محمد عطية أستاذ مساعد في قسم الهندسة الكيميائية والبيولوجية الجزيئية بجامعة رايس الأمريكية، ومهندس بيئي ورئيس لمجموعة بحثية في مركز الحلول البيئية والاستجابة للطوارئ (CESER) التابع لوكالة حماية البيئة الأمريكية(EPA)، كما إنه عضو في برنامجين لأبحاث البيئة والمرونة والتركيب والطاقة والمياه في وزارة الدفاع الأمريكية، ويتمتع بخبرة كبيرة في الكيمياء البيئية ومعالجة المياه وإزالة أو تحليل الملوثات الناشئة والجسيمات البلاستيكية الدقيقة، وربما ما سبق هو العنوان الرئيسي للحكاية .. لكن التفاصيل تحمل تجربة مدهشة لشاب واجه صعوبات كثيرة ونجح في تحقيق حلمه خلال رحلة بدأت من الأسكندرية والسعودية واليابان .. ووصلت إلي أمريكا.

قصتنا تبدأ من الإسكندرية عام 1988 حينما ولد د.محمد عطية ، وهو الأخ الأكبر لثلاث شقيقات، ومنذ صغره كان محمد يتحمل المسئولية ، وعمل في الإجازة الصيفية في الإبتدائية في ورشة المعلم "بلبل" لتنجيد المفروشات ، وبمجرد انتهاء الدراسة كان يذهب كل صيف إلى الورشة التي بدأ فيها صبيًا ثم أصبح صنايعيًا واستمر بها حتى تخرجه في الجامعة، ومازال يذكر التأثير الكبير لهذه التحربة علي مسيرته حتى اليوم ، يقول : والدي رحمه الله كان يعمل موظفاً بوزارة الشباب والرياضة ، وتعلمت في مدارس حكومية إبتدائي وإعدادي وثانوي، وبصراحة لم يكن هناك أهتمام كبير فيها بالتعليم ..ولأنني لم أكن أحصل علي مجموعات تقوية أو دروس خصوصية كنت معتمداً علي نفسي طوال الوقت في التعليم، أما بخصوص ورشة العلم بلبل فأولا أشير لأنني لا اعتبر المسألة " بطولة " أو أنني قمت بشيء غير مألوف ، ولكن هكذا كانت حياتي، والحقيقة تعلمت في هذه الورشة بين الصنايعية أموراً كثيرة خاصة مع الاستمرار في التعليم ، مؤكد لم تكن شخصيتي أصبحت كما هي الآن .

ويؤكد د.محمد عطية أنه كان يحلم بالدراسة في كلية الهندسة،لكن مجموعه كان أقل بنصف في المائة فقط ، ورشحه مكتب التنسيق إلى كلية العلوم شعبة رياضيات، وعندما ذهب ليزور الكلية لمح لافتة مكتوب عليها "هندسة زراعية" في المبنى الملاصق لكلية العلوم، وهنا تغيرت حياته تماماً ، يقول : لا أعرف إذا كنت أكملت دراسة الرياضة في كلية العلوم ماذا كان سيصبح حالي الآن ، لكنها خطوات صغيرة تصنع مسيرتك، فالهندسة الزراعية هي التي فتحت بعض الشيء أمامي مجال الميكانيكا ، كما كانت المدخل للسفر ومنها تطورت لمجالات أخرى، وعائلتي كانت تشجعني وتثق في ، لذلك لم يندهشوا أو يعترضوا عندما قمت بتحويل أوراقي من كلية العلوم إلي الزراعة ، والحمد لله كنت متفوقاً .. وكنت أقوم بتلخيص كل المحاضرات لزملائي ، وفي مرة دكتور طلب مني ملخصاتي التي كنت أكتبها في السنة الماضية بعدما ضاع منه كشكول المحاضرات الذي كان يكتب فيه المادة العلمية التي يقوم بتدريسها ، لم يكن مجهوداً خرافياً ولكنه العادي بالنسبة لي منذ صغري.

وحتى خلال دراسته الجامعية، ظل د.محمد عطية يعمل خلال الإجازة الصيفية ، وبدلاً من التدريب في مزارع الاستصلاح الزراعي لدراسة نظم الري المتطورة أو في شركات المعدات والمنتجات الزراعية وغيرها، حسب دراسته ، كان يعمل في شركة لصيانة السيارات، فهو ما كان مازال مرتبطاً بحلمه القديم بأن يصبح مهندس ميكانيكا ، بجانب استمرار عمله في ورشة المنجد ، وبعد التخرج ظل يعمل في ورشة الصيانة ، ولكنه بعد فترة شعر بأنه علي المدي البعيد لن يكون هذا المجال مجدياً .. يقول : شعرت بالملل من الروتين ، وعدم تعلمي لأي شيء جديد ، وبصراحة النظرة المجتمعية كانت موجودة ، فكرة أنك خريج زراعة وتعمل في ورشة سيارات .. كنت أشعر بأن البعض يقلل مما أقوم به ، خاصة إذا تعاملت مع خريج متخصص مثل هندسة السيارات ، فحصلت علي فرصة للعمل في شركة للخرسانة الجاهزة بالقاهرة ، واستمرت معي فكرة النظرة المجتمعية أكثر لأنه لا علاقة بهذا المجال مع خريج زراعة .

د.محمد عطية حاليا أحد الخبراء في مجال معالجة المياه من الملوثات الصناعية، لكن الرحلة كانت بدايتها مختلفة ، فهو خريج قسم الهندسة الزراعية بكلية الزراعة جامعة الإسكندرية، وعمله كان له علاقة بالجرارات والرى، وحصل علي منحة لدراسة الماجستير بالسعودية لأنه كان ضمن الخمسة الأوائل في كليته ، واستفاد هناك من دراسة موضوعات لها علاقة بالمياه ومعالجتها، لكنه كما يقول لم تكن الحياة مناسبة له ، طموحه كان أكبر وبدأ يبحث عن منح فى الخارج، فى أوروبا وأمريكا واليابان لدراسة الماجستير والدكتوراه، يقول : خلال سنة واحدة قدمت على منح من جامعات حول العالم .. ولم يتم قبولي ، وفي السنة الثانية زادت خبرتي وحصلت على موافقة من ألمانيا للماجستير ودكتوراه من اليابان، لكنى وجدت فرصة الماجستير والدكتوراه أفضل فى اليابان، وعشت هناك 5 سنوات رائعة وتأقلمت سريعاً رغم اختلاف العادات والتقاليد حتى داخل المعامل العلمية، وهناك بدأت العمل على معالجة المياه أو المعالجة البيولوجية لاستخدام بكتيريا لمعالجة مياه الصرف الزراعى ، وأنجزت الماجستير فى سنتين فقط ، وكانت الدكتوراة أيضاً عن معالجة المياه من الملوثات المستحدثة أو الدقيقة والمركبات الصيدلانية والمبيدات وغيرها من الملوثات الصناعية، وخلال هذه الفترة حصلت علي فرصة للتبادل العلمي مع جامعة كوبنهاجن في الدانمرك، وهو ما صقل خبراتي أكثر.

وخلال سنوات المنحة الدراسية باليابان درس مناهج كثيرة فى الكيمياء وعلوم البكتيريا، ورغم نجاحه الكبير في اليابان وتأقلمه ثقافيا مع الحياة هناك ، لكن بعد الدكتوراه كان قراره بضرورة الرحيل والبحث عن تجربة أخرى ، بالتحديد في أمريكا حيث توجد أكبر المراكز البحثية فى العالم وأفضل الجامعات، يقول : كان تفكيري واضحاً .. مسألة الرجوع لمصر بعد استكمال دراساتي العليا لم يكن في الحسبان، وقد حصلت على جائزة أفضل رسالة دكتوراه لعام 2017 من جامعة طوكيو تك ، ورغم ذلك لم أفضل الاستمرار هناك لأنه رغم إعجابي بالحياة هناك وظهوري في التلفزيون الياباني عدة مرات واتساع دائرة معارفي .. لكن شخصيتي لم تكن ملائمة للحياة هناك باستمرار ، ولذلك قررت الذهاب لأمريكا لاستكمال أبحاث ما بعد الدكتوراه في جامعة كليمسون بولاية كارولينا الجنوبية، ثم انضمت إلى جامعة نورث ويسترن عام 2021 ، وكذلك أعمل أستاذًا مساعدًا منذ يناير 2023 بقسم الهندسة الكيميائية والجزيئية الحيوية بجامعة رايس في هيوستن.

وهنا توقفنا لنسأل د.محمد عطية : عملت في جامعة الملك سعود بالسعودية ، ثم دراسة الماجستير والدكتوراة بجامعة يابانية ، وكذلك التدريب لفترة بجامعة كوبنهاجن بالدانمرك ، وفي أمريكا بدأت مع جامعة كليمسون ثم انضممت إلى جامعة نورث ويسترن وحالياً بقسم الهندسة الكيميائية والجزيئية الحيوية بجامعة رايس في هيوستن ، ما الفارق الذي وجدته بين الجامعات الثلاث ؟ وهل الفارق بين هذه الجامعات والدراسة التي حصلت عليها في جامعة الإسكندرية بمصر كبيراً ؟ أجاب قائلاً : فعلاً رحلة طويلة .. لو توقفنا مع فارق بالتأكيد المستوي والإمكانيات بالجامعات الأوروبية أعلي بكثير ، حتى من اليابان علي الأقل في تخصصي رغم أن الفرص هناك كبيرة للسفر والتبادل العلمي ، وفي أمريكا التحدي الأول هو المنافسة .. مهما كان تخصصك ستخوض " حرباً طاحنة " لكي تثبت نفسك بين المتميزين من كل أنحاء العالم، فالجامعات هناك قوية جداً وحتى تكبر وتصنع اسماً لابد من خطوات كبيرة ، والحمد لله المنحني في صعود رغم أنه ليس مجالي الأصلي ، كما أنني لم أحصل علي الماجستير والدكتوراة من أمريكا وهو ما يفرق بعض الشيء.

د.محمد عطية يعمل حاليًا في مشروع لتقييم التأثيرات البيئية للمواد الكيميائية وتركيبات الـPFAS، وهي مجموعة من حوالي 9 آلاف مادة عضوية اصطناعية تستخدم في تغليف الوجبات السريعة والمياه وتجهيزات المطابخ و(التيفال) ورغاوي إطفاء الحريق والسجاد وغيرها ، وهي مركبات تسمى فلور كروبون وتدخل فى تصنيع أشياء كثيرة ، يقول : بدأت البحث من ناحية المعالجة والتطوير مع الوكالة الامريكية لحماية البيئة ، وكان التركيز البحثى على مادةPFASوالتى استحوذت على اهتمام الرأى العام والقطاع البحثى بسبب مقاومتها للتحلل وأيضا سميتها الشديدة وخطرها على البيئة ، مما يجعلها أكثر المركبات السامة في العالن ، خاصة مع خطورة تلك المركبات التي قد تؤدى للإصابة بالأورام وتليف الكبد والعيوب الخلقية، ومركبات الفلوروكربون الملوثة تدخل في كل شيء للأسف، وعملي بالأساس حول طرق معالجة المياه للتخلص منها.

لدى د.محمد عطية حتى اليوم 75 ورقة بحثية منشورة باسمه في كبرى المجلات العلمية الشهيرة ، وهو لم ينقطع عن مصر ، وفي زيارته الأخيرة تقابل مع وزير الري د.هاني سويلم، كما يتطوع لإلقاء المحاضرات في الجامعات المصرية وفي مؤسسة علماء مصر، وهو يعمل كذلك مهندسًا بيئيًا ورئيسًا لمجموعة بحثية في مركز الحلول البيئية والاستجابة للطوارئ (CESER) التابع لوكالة حماية البيئة الأمريكية(EPA)، : مجموعتني البحثية تقوم حالياً بعمل بحثين علي التوازي ، أولهما محاولة تطوير طرق معالجة متطورة للملوثات ، والثاني طرق وقاية .. بمعني أن هناك مركبات كيميائية جديدة نحاول عمل تقيم لتأثيرها البيئي قبل انتشارها ، وبالتأكيد موضوع معالجة المياه مهم جداً .. ورغم أن هناك مجهودات كبيرة في مصر حالياً في هذا المجال ، وهناك محطات كثيرة تم انشاؤها ، لكنني أتمني بذل جهد أكبر فيما يخص الوعي المجتمعي لهذا الموضوع المهم والذي يمس حياة البشر بشكل مباشر.

في النهاية ، طلبنا من د.محمد عطية أن يكشف " الوصفة " التي ينصح بها أي شاب يري أحلامه بعيدة ومستحيلة وصعبة التحقق ؟ فرد ببساطة : بعيداً عن كلام التنمية البشرية ، أي شخص ممكن أن يقوم بما أفعله، لا توجد مميزات كبيرة ساعدتني سوى أنني كنت أحاول وتمسكت بأحلامي واكملت مشواري ، فقط كنت أعمل ، فقط المحاولة وتكرارها هو السر .